الاختصاص بالرقابة المالية: مانع؛ دستوري؛ سلطة مجلس النواب في تنظيمه مقيدة
2026-4-19
الدائرة الدستورية
الدفع المجهل: الوضوح والتعيين شرط لقبول الدفع.
سلطة مجلس النواب المؤقت: حدوها خلال المرحلة الانتقالية.
تشريعات الرقابة على المال العام: اختصاص مجلس النواب بالتشريع في موضوع الرقابة المالية على الأموال العامة، مصدره.
الرقابة على المال العام: عمل دستوري، حدوده، المختص به.
الاختصاص بالرقابة المالية: مانع، دستوري - سلطة مجلس النواب في تنظيمه مقيدة لا تقديرية.
المبادئ القانونية
(2024-1 دستوري) يشترط لقبول الدفع في الخصومة أن يكون مُبيْناً، معيَّناً تعييناً كافياً نافياً عنه الجهالة حتى يتأتَّى للمحكمة الوقوف على مبلغ صدقه وأثره في الدعوى. فإذا ما جاء مبهماً لانطوائه على مغالطة تأباها المبادئ العقلية، ولم تجلِّ مذكرات الخصم الغموضَ ولم ترفع التناقض، ولا تداركت ذلك مرافعتُه الشفوية، فإن دفعه على هذا النحو يعدُّ مجهَّلاً بما يتعذر معه تبيُّن وجه الحقِّ فيه، فلا يكون مقبولاً للوزن بميزان القانون.
(2024-2 دستوري) من المقرر في قضاء المحكمة العليا أن لمجلس النواب، في ظل الإعلان الدستوري المؤقت وخلال المرحلة الانتقالية، خصوصيةً شرعيةً وأخرى وظيفيةً وثالثةً زمنية تجعل منه سلطة مؤقتة لا تمارس وظيفة عادية، بل دوراً محدوداً وظيفياً وزمنياً بقيد الحاجة في هذا الظرف الاستثنائي، تمكيناً لاستمرار الوظائف الأساسية للدولة، واستعادةً للأمن والاستقرار، وتوفيراً للوقت والجهد لانكباب المجلس على العمل على تحقيق متطلبات العملية الانتقالية تهيئةً لنقل البلاد إلى الحالة الدائمة. ولهذا فهو ممنوع دستورياً من العمل التشريعي في غير الموضوعات التي نص عليها الإعلان، أو تلك التي يستلزمها الانتقال بالبلاد إلى مرفأ الدولة المنشودة، أو يدعو إليها التعجيلُ الرشيد في خطوات المرحلة، أو ما كان سدّاً لحاجة أساسية يفرضها السيرُ الاعتيادي للحياة ومؤسسات الدولة.
(2024-3 دستوري) النص في المادة 28 من الإعلان الدستوري على أن تنشئ السلطة التشريعية ديواناً للمُحـاسبـة يتـولى الرقابة الماليـة على جميـع الإيرادات والمصروفات والأموال العامة، يفيد أن موضوع هذه الرقابة مما تنبسط إليه سلطة التشريع في المرحلة الانتقالية.
(2024-4 دستوري) أهمية الرقابة المالية على الأموال العمومية، في المرحلة الانتقالية خصوصاً، أملت على المشرِّع الدستوري أن يجعلها بنص المادة 28 من الإعلان الدستوري عملاً دستورياً، وأن يعيِّن لها مؤسسة دستورية مستقلة تضطلع بها، يصدر بإنشائها وبتفصيل مهامها في إطاره قانونٌ هو من الناحيتين الموضوعية والعضوية قانونٌ مكمّل للدستور. ويَبين من النص أن العملية الرقابية تضمُّ حزمةً من المهام تتّسع لتشمل واجب التثبت من السلامة والتوفيق في كلِّ صنوف العمليات العامة ذات الأثر المالي على ميزانية الدولة. فلا تقف عند ما يتعلق منها باستخدام المال العام في الإنفاق، بل تستطيل إلى عمليات تحصيله من موارده وإلى حراسة الأصول المملوكة للدولة، الثابتة منها والمنقولة، وتمتد إلى واجب التحقُّق من كفاءة الإنفاق الحكومي، والكشف عن أوجه القصور في أسلوب إدارة أموال الدولة، وإلى واجب التوجيه والإرشاد من أجل استخدامٍ رشيدٍ لها، وإلى كلِّ موجبات المحافظة عليها بالرقابة المناسبة، الموضوعية والزمنية، السابقةِ منها على التصرف المالي تفادياً للمخالفة المالية قبل وقوعها، واللاحقةِ الكاشفة عنها، والمصاحبةِ التي تواكب التنفيذ لتقف على وجه انحرافه وموطن قصوره بغية تصحيحه، وهو ما يجزم بأن المشرع الدستوري أراد للرقابة المالية على الأموال العامة أن تكون شاملة، وأن تمارسها مؤسسةٌ دستورية أسندها إليها دون غيرها، وهي تلك التي سمَّاها ديوانَ المحاسبة.
(2024-5 دستوري) إن المشرِّع الدستوري وقد أطلق عمليات الرقابة المالية إلى المدى متقدم البيان، وقرّر تفرُّد ديوان المحاسبة دون غيره بها جميعها، أفصح عن أن اختصاصه بها مانع، وأنه اختصاصٌ دستوري لا ينفك عنه ولا يَحلُّ الانتقاص منه، ودلَّ على إلزام المشرِّع العادي المؤقت بتكملة نص الدستور بتشريع ينشئ الديوانَ وينظِّم عمله، ويبسط له المساحة القانونية الكافية لممارسة اختصاصه الشامل بالرقابة المالية على المال العام، وعلى أن سلطته التشريعية في هذا ليست تقديرية، بل مقيدة تنحسر عن سنِّ ما يخالفه. فإذا كان المشرِّع بالأمس استجاب له وأصدر به القانون 19 لسنة 2013 وتعديلاته، لكنه اليوم زاغ ببصره عنه وتولَّى، غيرَ مكترث بالقاعدة الدستورية التي تحتضنه، كان هذا منه عدواناً على الولاية الدستورية للديوان، وعُدَّ منتهكاً للدستور، غاصباً سلطةَ مشرِّعه، فصار واجباً على هذه المحكمة أن تبطل عمله ردَّاً له إلى سواء السبيل، إلى حظيرة المشروعية الدستورية.