خطاب الضمان: ماهيته؛ أطرافه؛ محله مبلغ نقدي معين أو فابل للتعيين؛ تعليقه على شرط
2026-4-25
الدائرة المدنية الثانية
خطاب الضمان: ماهيته – محله مبلغ نقدي معين – جواز أن يكون قابلاً للتعيين – علة ذلك.
خطاب الضمان: العبرة في محله بنقدية الضمان وقابليته للتعيين – تعليقه على شرط الضرر – حالة جواز الشرط – تطبيق.
خطاب الضمان: ليس عقداً بين المستفيد من جهة والمصرف والعميل الآمر من جهة أخرى – ليس تنفيذاً لعقد بين المستفيد والعميل – مصدر التزام المصرف فيه – أثر ذلك وعلته.
المبادئ القانونية
(2024-39 مدني) النص في المادة 758 من قانون النشاط التجاري على أن خطابَ الضمان تعهدٌ مكتوب يصدر من المصرف بناء على طلب عميله (الآمر) إلى دائن هذا العميل (المستفيد)، بأن يدفع له دون قيد أو شرط عند الطلب وأثناء سريان مدة الضمان مبلغاً نقدياً معيناً أو قابلاً للتعيين، يفيد أن محل خطاب الضمان هو مبلغ من النقود يلتزم المصرف الضامن خلال مدة محدَّدة، وبصفة أصلية مستقلَّة عن أي التزام آخر، بدفعه إلى المستفيد إذا أخلَّ العميل الآمر بالتزاماته تجاهه، وأنه لا يُشترط في هذا المبلغ أن يكون معيَّناً في الخطاب مادام أنه قابلٌ للتعيين في المستقبل. وإذ أجاز المشرع تأجيل التعيين، التزاماً بالأصل العام في محل التزام المدين، إنما تقديراً لاستعصائه أو تعذُّره في بعض الحالات كحالة ضمان العميل الآمر ضد ما قد يُلحقه بالمستفيد من ضرر.
(2024-40 مدني) العبرة في محلِّ الخطاب المصرفي ليدخل في مفهوم خطاب الضمان المقصود بالنص إنما هي بنقديَّة الضمان وبقابليته للتعيين. فإذا ما كان مبلغاً نقدياً معيناً أو قابلاً للتعيين، كان الخطاب خطاب ضمان وسرت عليه أحكام القانون التي تحكم هذا الخطاب. ولا يغيّر من طبيعته هذه ورودُه مشروطاً بالضرر؛ ذلك أن الشروط والقيود المقصودة بالمنع في نص المادة المذكورة ليست إلا تلك التي تؤثر في طبيعة الخطاب وتخلع عنه خاصيَّة التجريد والكفاية الذاتية التي تضمن استقلال الالتزام به عن الالتزامات الناشئة عن أي علاقات أخرى. ولما كان المصرف الطاعن استجاب إلى عميله الذي أمر بالخطاب ليعجِّل استلامه البضائع المبيّنة بخطابي الضمان محل الدعوى، فطلب إلى المستفيد (المطعون ضده)، بوصفه شركة التوكيل الملاحي، الإفراجَ عنها، وتسليمَها إلى العميل، متعهِّداً بتعويضه عمَّا ينشأ عن هذا الإفراج من "أضرار أو خسائر"، فإن محل الخطابين، وقد تضمَّنا تعهّداً بالتعويض، يكون منصبَّاً على مبلغ نقدي، وهو مبلغ وإن لم يتعين ابتداءً، يظل قابلاً للتعيين، وهذا كفيل بإدراجهما ضمن طائفة خطابات الضمان المقصودة بالنص المشار إليه وبخضوعهما من ثم لأحكامه.
(2024-41 مدني) النص في المادتين 758 و761 من قانون النشاط التجاري على أنه لا يجوز للمصرف أن يرفض الوفاء للمستفيد، لسبب يرجع إلى علاقة المصرف بالآمر أو علاقة هذا بالمستفيد، يدلان على أن خطاب الضمان الصّادر عن المصرف لكفالة عميله ليس عقداً بين المستفيد من جهة والمصرف والعميل الآمر من جهة أخرى، ولا تنفيذاً لعقد بين الأول والعميل، بل هو التزام من المصرف بأداء قيمة خطاب الضمان للمستفيد التزاماً مباشراً مصدرُه إرادةُ المصرف المنفردة، ينشأ بمجرد إصداره للخطاب ووصوله إلى علم المستفيد. فخطاب الضمان ينشئ التزاماً مجرّداً يستقل تماماً عن علاقة المصرف بعميله، وعن عقد الأساس الذي صدر الخطاب لأجله، وعن أي عقود أخرى قد ترتبط به. ويكون المصرف المُصدر ملتزماً بموجبه في مواجهة المستفيد بصفته أصيلاً في علاقة منفصلة بينهما أنشأها الخطاب وهو الذي يحكمها، لا بصفته نائباً عن العميل الآمر، ولا كفيلاً له ضماناً لتنفيذ التزامه لمصلحة آخر. وهكذا فإن المصرف ملزم قِبل المستفيد بدَين مستقلّ عن أي دَين آخر، فلا يكون محكوماً إلا بعبارات الخطاب. ينبني على ذلك أنه إذا ما التزم المستفيد شروطَ الدفع، لزم المصرفَ تسييلُ الخطاب له فوراً، وامتنع عليه أن يدفع مطالبته بدفوع مستمَدَّة من علاقة أخرى، وإلا كان مخلاً بتنفيذ التزامه بما يجيز للمستفيد، دون غيره، اختصامه لإلزامه بالتنفيذ. والقول بغير ذلك يخالف نص القانون، ويُضْعف الثقةَ بخطابات الضمان، ويفوِّت غايتها في مسايرة السرعة اللازمة في المعاملات التجارية، وهو ما يفضي في النهاية إلى تقويض نظام خطابات الضمان برمَّته.