(2023-1 الدوائر مجتمعة) أحكام البطلان وحالاته وأنواعه وآثاره المقررة في المواد: 304، 305، 306 من قانون الإجراءات الجنائية، وفي المادة 21 من قانون المرافعات المدنية والتجارية هي المرجع الذي يتعين الاحتكام إليه عند تحري مدى سلامة إجراءات الدعوى. وحيث إنها في مجملها أحكام مبنية على أن الأصل في الإجراء سلامته، فلا يكون باطلاً إلا إذا نص القانون على بطلانه، أو كان مخالفاً لأحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها، أو إذا شابه عيب جوهري من شأنه أن يتسبب في ضرر جسيم، ومن ثم فلا يكون للمحكمة أن تقضي بالبطلان في غير الحالات التي حددها القانون حصراً وتلك التي يترتب فيها ضرر جسيم.
(2023-2 الدوائر مجتمعة) لما كان المشرع إذ أباح لغير طرفي الخصومة الأصليين، النيابة العامة والمتهم، حقَّ التدخل في الدعوى الجنائية للمساعدة في الدفاع عن حقوق مشروعة وهو ما من شأنه في الوقت نفسه مساعدة المحكمة في بلوغ الحقيقة، فإن تحقق هذه الغاية في تدخل ولي الدم في الدعوى تنأى به عن أن يكون من قبيل التدخل المخالف للقانون الموجب للبطلان.
(2023-3 الدوائر مجتمعة) تدخل ولي الدم في الدعوى الجنائية جائز بالقياس على حق المجني عليه في ذلك، وهو قياس غير محظور يفرضه تماثل العلة في الحالتين. فما أباح المشرع للمجني عليه التدخل في الدعوى الجنائية إلا من باب أنه أقرب أفراد الجماعة للجريمة التي وقعت، وأكثرهم صلة بها وتأثراً بنتائجها وعلماً بظروفها، وهو ما يجعله أقدرهم على مساعدة النيابة العامة في جمع أدلة الاتهام وأكثرهم اهتماماً بنجاحها في معرفة الفاعل والوصول إلى حكم بإدانته، أضف إليه أن مصلحته الشخصية تجعله أسرع الناس استجابة لواجب التضامن الاجتماعي في مساعدة العدالة على الوصول إلى الحقيقة. وهذا في مجمله متحقق ولا شك في ولي الدم بعد موت فقيدهم، فهو وإن لم يكن مجنياً عليه حقيقةً، فإنه كذلك مجازاً. بل إنه يفضل عليه في أنه وحده من يملك توجيه المحكمة في العقوبة كونه المتفرّد بالحق في العفو عن الجاني في جريمة القتل، وهذا يستتبع ضرورةً حقه في متابعة محاكمته. فإن طلب القصاص من الجاني، أعلن به عن التأكيد للمحكمة على عدم عفوه، وأكد بقاء العقوبة على أصلها، وإن عفا وأصلح، تحقق اتصال علم المحكمة بالعفو في حينه بما يضمن إنفاذ آثاره مباشرة بإسقاط العقوبة الأصلية.
(2023-4 الدوائر مجتمعة) تدخل ولي الدم في الدعوى الجنائية لا يخالف نصاً قانونياً، ولا ينطوي على مصادرة لوظيفة النيابة العامة، ولا يشكّل مساساً بضمانات المحاكمة العادلة أو الضمانات الجوهرية المقرّرة للخصوم، ولا يلحق أي ضرر غير مشروع بأحد فضلاً عن أن الضرر الموجب للبطلان مشروط قانوناً بجسامته.
5-1
2024 دستوري
المبادئ القانونية
(2024-1 دستوري) يشترط لقبول الدفع في الخصومة أن يكون مُبيْناً، معيَّناً تعييناً كافياً نافياً عنه الجهالة حتى يتأتَّى للمحكمة الوقوف على مبلغ صدقه وأثره في الدعوى. فإذا ما جاء مبهماً لانطوائه على مغالطة تأباها المبادئ العقلية، ولم تجلِّ مذكرات الخصم الغموضَ ولم ترفع التناقض، ولا تداركت ذلك مرافعتُه الشفوية، فإن دفعه على هذا النحو يعدُّ مجهَّلاً بما يتعذر معه تبيُّن وجه الحقِّ فيه، فلا يكون مقبولاً للوزن بميزان القانون.
(2024-2 دستوري) من المقرر في قضاء المحكمة العليا أن لمجلس النواب، في ظل الإعلان الدستوري المؤقت وخلال المرحلة الانتقالية، خصوصيةً شرعيةً وأخرى وظيفيةً وثالثةً زمنية تجعل منه سلطة مؤقتة لا تمارس وظيفة عادية، بل دوراً محدوداً وظيفياً وزمنياً بقيد الحاجة في هذا الظرف الاستثنائي، تمكيناً لاستمرار الوظائف الأساسية للدولة، واستعادةً للأمن والاستقرار، وتوفيراً للوقت والجهد لانكباب المجلس على العمل على تحقيق متطلبات العملية الانتقالية تهيئةً لنقل البلاد إلى الحالة الدائمة. ولهذا فهو ممنوع دستورياً من العمل التشريعي في غير الموضوعات التي نص عليها الإعلان، أو تلك التي يستلزمها الانتقال بالبلاد إلى مرفأ الدولة المنشودة، أو يدعو إليها التعجيلُ الرشيد في خطوات المرحلة، أو ما كان سدّاً لحاجة أساسية يفرضها السيرُ الاعتيادي للحياة ومؤسسات الدولة.
(2024-3 دستوري) النص في المادة 28 من الإعلان الدستوري على أن تنشئ السلطة التشريعية ديواناً للمُحـاسبـة يتـولى الرقابة الماليـة على جميـع الإيرادات والمصروفات والأموال العامة، يفيد أن موضوع هذه الرقابة مما تنبسط إليه سلطة التشريع في المرحلة الانتقالية.
(2024-4 دستوري) أهمية الرقابة المالية على الأموال العمومية، في المرحلة الانتقالية خصوصاً، أملت على المشرِّع الدستوري أن يجعلها بنص المادة 28 من الإعلان الدستوري عملاً دستورياً، وأن يعيِّن لها مؤسسة دستورية مستقلة تضطلع بها، يصدر بإنشائها وبتفصيل مهامها في إطاره قانونٌ هو من الناحيتين الموضوعية والعضوية قانونٌ مكمّل للدستور. ويَبين من النص أن العملية الرقابية تضمُّ حزمةً من المهام تتّسع لتشمل واجب التثبت من السلامة والتوفيق في كلِّ صنوف العمليات العامة ذات الأثر المالي على ميزانية الدولة. فلا تقف عند ما يتعلق منها باستخدام المال العام في الإنفاق، بل تستطيل إلى عمليات تحصيله من موارده وإلى حراسة الأصول المملوكة للدولة، الثابتة منها والمنقولة، وتمتد إلى واجب التحقُّق من كفاءة الإنفاق الحكومي، والكشف عن أوجه القصور في أسلوب إدارة أموال الدولة، وإلى واجب التوجيه والإرشاد من أجل استخدامٍ رشيدٍ لها، وإلى كلِّ موجبات المحافظة عليها بالرقابة المناسبة، الموضوعية والزمنية، السابقةِ منها على التصرف المالي تفادياً للمخالفة المالية قبل وقوعها، واللاحقةِ الكاشفة عنها، والمصاحبةِ التي تواكب التنفيذ لتقف على وجه انحرافه وموطن قصوره بغية تصحيحه، وهو ما يجزم بأن المشرع الدستوري أراد للرقابة المالية على الأموال العامة أن تكون شاملة، وأن تمارسها مؤسسةٌ دستورية أسندها إليها دون غيرها، وهي تلك التي سمَّاها ديوانَ المحاسبة.
(2024-5 دستوري) إن المشرِّع الدستوري وقد أطلق عمليات الرقابة المالية إلى المدى متقدم البيان، وقرّر تفرُّد ديوان المحاسبة دون غيره بها جميعها، أفصح عن أن اختصاصه بها مانع، وأنه اختصاصٌ دستوري لا ينفك عنه ولا يَحلُّ الانتقاص منه، ودلَّ على إلزام المشرِّع العادي المؤقت بتكملة نص الدستور بتشريع ينشئ الديوانَ وينظِّم عمله، ويبسط له المساحة القانونية الكافية لممارسة اختصاصه الشامل بالرقابة المالية على المال العام، وعلى أن سلطته التشريعية في هذا ليست تقديرية، بل مقيدة تنحسر عن سنِّ ما يخالفه. فإذا كان المشرِّع بالأمس استجاب له وأصدر به القانون 19 لسنة 2013 وتعديلاته، لكنه اليوم زاغ ببصره عنه وتولَّى، غيرَ مكترث بالقاعدة الدستورية التي تحتضنه، كان هذا منه عدواناً على الولاية الدستورية للديوان، وعُدَّ منتهكاً للدستور، غاصباً سلطةَ مشرِّعه، فصار واجباً على هذه المحكمة أن تبطل عمله ردَّاً له إلى سواء السبيل، إلى حظيرة المشروعية الدستورية.
4-1
2023 دستوري
المبادئ القانونية
(2023-1 دستوري) الحكم المؤقت، في الواقع وفي القانون، هو حكمٌ طارئٌ تُلجئ إليه حالةُ الفراغ السياسي في أحوال استثنائية، ويدفع إليه ميلُ الأنفس نحو الصراع على السلطة. إطاره المؤسسي ليس غايةً في حدِّ ذاته، وإنما هو جسرٌ تتحول عبره البلاد إلى النظام المنشود. لهذا ما كانت الإعلاناتُ الدستورية المؤقتة إلا استجابة لهذا الواقع. فهي تصدر عن سلطة الأمر الواقع في ظروف استثنائية تهدِّد كيانَ الدولة بالتقويض أو استقلالَها بالمساس أو وَحدتَها بالتفتُّت والانقسام، وذلك لمواجهة هذه المخاطر وحفظ البلاد من الانهيار. لهذا تَعمَد الوثائقُ الدستورية المؤقتة في هذه المرحلة إلى تأطير أعمال المؤسسات التي تنيط بها السلطات الانتقالية، لا سيما التشريعية، بأحكام، يراعَى فيها توازنٌ بين السلطة والحرية، وتستهدف إلى تحصين العملية الانتقالية من عسفها، وذلك بفرضها جدولاً زمنياً للمرحلة ينتهي ببلوغ الهدف النهائي لها، تفادياً لانحرافها بالسلطة أو تأبيدها في يدها.
(2023-2 دستوري) نُسجت نصوصُ الإعلان الدستوري 2011 على نحوٍ أريد به للمؤسسات التي أنشأها أن تكون مؤقتة، غايتُها التمهيد للتغيير الذي استهدفته الثورة، وبالضوابط التي تتناسب مع طبيعة المرحلة الاستثنائية. ففيما عدا ما تعلَّق بالحقوق والحريات الطبيعية والأساسية، والتي لجوهريتها لا تقبلُ الانتقاصَ ولو في ظرفٍ استثنائي، جاءت نصوصُ الإعلان نابضةً بالتأقيت، سواء المنشِئةُ لمؤسسات الثورة والدولة، والمحدِّدةُ لاختصاصاتها، كاشفةً بذلك عن أن هذه المؤسسات هي غيرُ المؤسسات الدائمة، ولذا فإن وظيفتها ظرفيةٌ مرهونةٌ بعنصرين: الزمنُ الذي أُوجدت فيه، والحاجةُ التي ألجأت إليها.
(2023-3 دستوري) مراعاةً للطبيعة الاستثنائية للمرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وعملاً بدلالات نصوص الإعلان الدستوري، واستهداءً بسياقها التاريخي، وبالنظر إلى ما تستتبعه سمةُ الوقتية التي تطبع كيانَ السلطة التشريعية، أياً كان اسمها، من ضرورة تركيز اختصاصاتها، فإنه إلى أن تقومَ الحياةُ الدستورية الاعتيادية بدستورٍ دائم وبسلطةٍ تشريعية منتخبة بموجبه، تظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلادُ قائمة، وتبقى كلُّ المؤسسات الدستورية الناشئة أثناءها امتداداً لحكومة الثورة الفعلية المؤقتة حتى تبلغ بعملية التحول إلى مداها. وعليه، فإن كلَّ الوظائف التي أناطها الإعلان بالسلطة التشريعية المؤقتة، متمثلةً اليوم في مجلس النواب المؤقَّت، تظل مَضيقةً بمتطلبات المرحلة، لا تتعداها إلى ما عداها، التزاماً بالمسار الدستوري المحدَّد، وتحفيزاً للشعب والسلطات على الدفع بالعملية السياسية نحو منتهاها الموضَّح في الإعلان، وإذن فليس لهذا المجلس أن يمارس اختصاصاً تشريعياً في غير الموضوعات المنصوص عليها صراحة، أو تلك التي يستلزمها الانتقال بالبلاد إلى مرفأ الدولة المنشودة أو يدعو إليها التعجيلُ الرشيدُ في خطوات المرحلة، أو ما كان سداً لحاجة أساسية يفرضها السيرُ الاعتيادي للحياة ومؤسسات الدولة. فإذا ما زاغ عن حدود هذا التنظيم الدستوري، كان عملُه مشوباً بعيب عدم الدستورية.
(2023-4 دستوري) لما كان موضوع القانون 5 لسنة 2023 بإنشاء المحكمة الدستورية العليا إنشاءَ محكمة لها الاختصاصُ المانع بالتفسير الملزم لنصوص القوانين، وبالرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح الصادرة عن مجلس النواب، وكانت هذه وظيفةً ما انفكت تؤديها، على أكمل وجهها وبأيدي نخبةٍ من أهل العلم والخبرة في المجال، الدائرةُ الدستوريةُ بالمحكمة العليا، خاتمة المطاف القضائي، القائمة منذ سبعين عاماً وقف خلالها ذائداً عن حوزة القانون الدستوري ضد تطاول السلطات، كابحةً جماحَها، كاشفةً عما انحرف من أعمالها، رادَّةً لها إلى حظيرة المشروعية التي ترسم إطارها نصوصُه والقيمُ التي يحتضنها، عاصمةً بذلك الحقوقَ والحرياتِ من أنْ تُصادَر أو أنْ يُنتقَص منها، منقِّيةً النصوصَ التشريعية من الخطايا الدستورية، فحافظت بموقفها طَوالَ عهدها، الذي عاصر أنظمةً سياسيةً متخالفة، على أن تبقى الشرعية الدستورية في مدارجها العليا، لذا فإن إنشاء مجلس النواب المؤقت محكمةً دستوريةً رغم قيام هذا الصرح الشامخ العريق وأدائه لهذه الرقابة، لهُو عملٌ لا الإعلانُ الدستوريُّ يجيزه، ولا المرحلةُ الانتقاليةُ تتطلَّبه، ولا ظروفُ البلاد الواقعية تمليه، ولا تسييرُ حياة الأفراد والمؤسسات في حاجة إليه. وهو لهذا لا يحقِّق مصلحةً حالَّة ولا محتملة أثناء هذه الحقبة الزمنية الصعبة، ومن ثم فإنه قانونٌ يندرج ضمن ما ينحسر عنه اختصاصُ المجلس المذكور في هذه المرحلة، ما يجعل إصداره له عملاً غير دستوري.