(2023-9 مدني) إبدال العقد الباطل أو القابل للإبطال بعقد آخر إنما يتحقق عندما تتوافر في الأول أركانُ الآخر. أما إذا كان لهذا الأخير كيانُه المستقل، فلا يكون في هذا الحالة لإعمال أحكام الإبدال محل. ولما كان عقد التوكيل موضوع الدعوى عقداً منفصلاً زمنياً وموضوعياً عن عقد البيع، أضحى التحدي به ظاهرَ الفساد، فلا يعيب الحكم المطعون فيه إذ أعرض عن إيراده وقد ضمّن قضاءَه الردَّ الضمني برفضه.
(2023-10 مدني) من المقرَّر في قضاء المحكمة العليا أن تحرِّي صحة العقد واستظهارَ مدلوله ونيةِ طرفيه مما تتضمنه عباراته ومن مجموع ظروف الدعوى وملابساتها، هو مما يندرج ضمن تحصيل الواقع الذي تستقل بتقديره محكمة الموضوع بغير معقِّب عليها في مرحلة النقض، بشرط أن تقيمه على أسباب سائغة، لها أصلها الثابت بالأوراق، ومن شأنها أن تؤديَ إلى النتيجة التي انتهت إليها.
(2023-11 مدني) النص في المادة 154 من القانون المدني على أن العقد لا يولِّد التزاماً في ذمة الغير يقرّر هيمنةَ مبدأ نسبية آثار العقد على قوته الملزمة بالنسبة للأشخاص والموضوع. فلا تنصرف الالتزامات الناشئة عنه إلى غير عاقديه. ولهذا، ليس للتعاقد اللاحق بشأن محل العقد الباطل أن يضرَّ بطرفي هذا العقد أو أن ينتقص بمجرده من حقِّ أيٍّ منهما المقرر بموجب المادة 142 من القانون المدني في استعادة مركزه القانون قبل العقد مادام هذا من الناحية الفعلية ممكناً. ولا يغير من هذا صدورُ حكم بصحة ذلك التعاقد اللاحق ونفاذه، إذ إنه فضلاً عن أن حجية الأحكام القضائية في المسائل المدنية نسبيةٌ لا تقوم إلا بين الخصوم الحقيقيين في الدعوى، فلا تنصرف إلى غير أطرافها، فإن مبدأ نسبية أثار العقد مبدأٌ راسخ لصيق بطبيعة الالتزامات التعاقدية، فلا يجوز تعطيله أو تقييده بالسماح بامتداد آثار العقود إلى غير أطرافها، لما في هذا من إهدار لمبدأ سلطان الإرادة الذي تقوم عليه أغلب الروابط الناشئة عن علاقات القانون الخاص.
4-1
2023 دستوري
المبادئ القانونية
(2023-1 دستوري) الحكم المؤقت، في الواقع وفي القانون، هو حكمٌ طارئٌ تُلجئ إليه حالةُ الفراغ السياسي في أحوال استثنائية، ويدفع إليه ميلُ الأنفس نحو الصراع على السلطة. إطاره المؤسسي ليس غايةً في حدِّ ذاته، وإنما هو جسرٌ تتحول عبره البلاد إلى النظام المنشود. لهذا ما كانت الإعلاناتُ الدستورية المؤقتة إلا استجابة لهذا الواقع. فهي تصدر عن سلطة الأمر الواقع في ظروف استثنائية تهدِّد كيانَ الدولة بالتقويض أو استقلالَها بالمساس أو وَحدتَها بالتفتُّت والانقسام، وذلك لمواجهة هذه المخاطر وحفظ البلاد من الانهيار. لهذا تَعمَد الوثائقُ الدستورية المؤقتة في هذه المرحلة إلى تأطير أعمال المؤسسات التي تنيط بها السلطات الانتقالية، لا سيما التشريعية، بأحكام، يراعَى فيها توازنٌ بين السلطة والحرية، وتستهدف إلى تحصين العملية الانتقالية من عسفها، وذلك بفرضها جدولاً زمنياً للمرحلة ينتهي ببلوغ الهدف النهائي لها، تفادياً لانحرافها بالسلطة أو تأبيدها في يدها.
(2023-2 دستوري) نُسجت نصوصُ الإعلان الدستوري 2011 على نحوٍ أريد به للمؤسسات التي أنشأها أن تكون مؤقتة، غايتُها التمهيد للتغيير الذي استهدفته الثورة، وبالضوابط التي تتناسب مع طبيعة المرحلة الاستثنائية. ففيما عدا ما تعلَّق بالحقوق والحريات الطبيعية والأساسية، والتي لجوهريتها لا تقبلُ الانتقاصَ ولو في ظرفٍ استثنائي، جاءت نصوصُ الإعلان نابضةً بالتأقيت، سواء المنشِئةُ لمؤسسات الثورة والدولة، والمحدِّدةُ لاختصاصاتها، كاشفةً بذلك عن أن هذه المؤسسات هي غيرُ المؤسسات الدائمة، ولذا فإن وظيفتها ظرفيةٌ مرهونةٌ بعنصرين: الزمنُ الذي أُوجدت فيه، والحاجةُ التي ألجأت إليها.
(2023-3 دستوري) مراعاةً للطبيعة الاستثنائية للمرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وعملاً بدلالات نصوص الإعلان الدستوري، واستهداءً بسياقها التاريخي، وبالنظر إلى ما تستتبعه سمةُ الوقتية التي تطبع كيانَ السلطة التشريعية، أياً كان اسمها، من ضرورة تركيز اختصاصاتها، فإنه إلى أن تقومَ الحياةُ الدستورية الاعتيادية بدستورٍ دائم وبسلطةٍ تشريعية منتخبة بموجبه، تظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلادُ قائمة، وتبقى كلُّ المؤسسات الدستورية الناشئة أثناءها امتداداً لحكومة الثورة الفعلية المؤقتة حتى تبلغ بعملية التحول إلى مداها. وعليه، فإن كلَّ الوظائف التي أناطها الإعلان بالسلطة التشريعية المؤقتة، متمثلةً اليوم في مجلس النواب المؤقَّت، تظل مَضيقةً بمتطلبات المرحلة، لا تتعداها إلى ما عداها، التزاماً بالمسار الدستوري المحدَّد، وتحفيزاً للشعب والسلطات على الدفع بالعملية السياسية نحو منتهاها الموضَّح في الإعلان، وإذن فليس لهذا المجلس أن يمارس اختصاصاً تشريعياً في غير الموضوعات المنصوص عليها صراحة، أو تلك التي يستلزمها الانتقال بالبلاد إلى مرفأ الدولة المنشودة أو يدعو إليها التعجيلُ الرشيدُ في خطوات المرحلة، أو ما كان سداً لحاجة أساسية يفرضها السيرُ الاعتيادي للحياة ومؤسسات الدولة. فإذا ما زاغ عن حدود هذا التنظيم الدستوري، كان عملُه مشوباً بعيب عدم الدستورية.
(2023-4 دستوري) لما كان موضوع القانون 5 لسنة 2023 بإنشاء المحكمة الدستورية العليا إنشاءَ محكمة لها الاختصاصُ المانع بالتفسير الملزم لنصوص القوانين، وبالرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح الصادرة عن مجلس النواب، وكانت هذه وظيفةً ما انفكت تؤديها، على أكمل وجهها وبأيدي نخبةٍ من أهل العلم والخبرة في المجال، الدائرةُ الدستوريةُ بالمحكمة العليا، خاتمة المطاف القضائي، القائمة منذ سبعين عاماً وقف خلالها ذائداً عن حوزة القانون الدستوري ضد تطاول السلطات، كابحةً جماحَها، كاشفةً عما انحرف من أعمالها، رادَّةً لها إلى حظيرة المشروعية التي ترسم إطارها نصوصُه والقيمُ التي يحتضنها، عاصمةً بذلك الحقوقَ والحرياتِ من أنْ تُصادَر أو أنْ يُنتقَص منها، منقِّيةً النصوصَ التشريعية من الخطايا الدستورية، فحافظت بموقفها طَوالَ عهدها، الذي عاصر أنظمةً سياسيةً متخالفة، على أن تبقى الشرعية الدستورية في مدارجها العليا، لذا فإن إنشاء مجلس النواب المؤقت محكمةً دستوريةً رغم قيام هذا الصرح الشامخ العريق وأدائه لهذه الرقابة، لهُو عملٌ لا الإعلانُ الدستوريُّ يجيزه، ولا المرحلةُ الانتقاليةُ تتطلَّبه، ولا ظروفُ البلاد الواقعية تمليه، ولا تسييرُ حياة الأفراد والمؤسسات في حاجة إليه. وهو لهذا لا يحقِّق مصلحةً حالَّة ولا محتملة أثناء هذه الحقبة الزمنية الصعبة، ومن ثم فإنه قانونٌ يندرج ضمن ما ينحسر عنه اختصاصُ المجلس المذكور في هذه المرحلة، ما يجعل إصداره له عملاً غير دستوري.